Classé dans : Liens
« من الحكيم سليمان إلى السلطان حَسّ حَبْتوهْ المَغْرب. لقد كَثُر الهرجُ والمرجُ، والأخذُ والردّ. عليه أُرسلْ طيورَ أزْرَمْ الخَضْرْ. عليه دُكَ بلادَه…. « .
هذا الكلام ليس لأحمق معتوه هرب للتوّ من مستشفى للأمراض العقلية، بل هو لرجل تبدو عليه علامات المهابة، كان يظهر في قناة الجماهيرية الليبية طوال الفترة التي اندلعت فيها ثورة 17 فبراير، اسمه يوسف شاكير، كان العقيد معمر القذافي يثق في قدرته على التحكم في الجن وعلى تسخير أعمال السحر والشعوذة من أجل حماية النظام. وحين أصدر مجلس الأمن قرار الحظر الجوي على ليبيا، لم يجد هذا الشيخ الأهبل ما يدرأ به خطر انهيار النظام سوى تلك الكلمات المُبهمة، مدعيا بأن هناك رهطا من الجن سيحارب إلى جوار العقيد، من بينهم جني مغربي اسمه « حسّ حبتوه »، تلقى رسالة من نبي الله سليمان لكي يرسل إلى قادة الحلف الأطلسي طيورا خضراء تسمى « أزْرم »، ستدك بلادهم فوق رؤوسهم. لكن، عوض أن تقوم سلاطين الجن بدَكّ الأعداء، تكلفت طائرات الحلف الأطلسي بالمهمة، فدكت « باب العزيزية » فوق رأس الكتائب التي كانت تقاتل إلى جانب القذافي.
الكوميديا المُمتعة التي صاحبت أجواء الثورة الليبية، انخرطت فيها وجوه تلفزيونية أخرى حظيت برامجها بنسبة مشاهدة عالية من قِبل الليبيين، من بينها مذيعة مخبولة اسمها هالة المصراتي، كانت تنشط في القناة الليبية برنامجا يوميا اسمه « ليبيا هذا اليوم ». هذه المذيعة وجدت أن أفضل طريقة لشجب قرار مجلس الأمن بتبني الحظر الجوي على ليبيا هي الإسلام، فتفتقت عبقريتها عن فكرة خطيرة، مفادها أن التبني محرم في الإسلام، وبالتالي فإن تبني مجلس الأمن لقرار الحظر الجوي لا يجوز شرعا. لكن يبدو أن أعضاء مجلس الأمن لم يأخذوا تحذيرات هالة المصراتي بعين الاعتبار، واستمروا في اقترافهم ما يتنافى مع تعاليم الإسلام، فاضطرت هذه المذيعة للظهور مرة أخرى في برنامجها وهي تحمل مسدسا، تلوح به في وجه الثوار، مهددة إياهم بالويل والثبور إن هم اقتربوا من مقر التلفزيون. غير أن الثوار كانوا متلهفين لمعرفة إلى أي حد تُحسن هذه المذيعة استخدام المسدس الذي كانت تهددهم به، فاقتحموا مبنى القناة الليبية، ليجدوا أمامهم المذيعة وهي تبكي وتتوسل إليهم بأن يرحموا عزيز قوم ذل.
قناة الجزيرة لم تخلف هي الأخرى الموعد مع مشاهديها بمناسبة الثورة الليبية، وقدمت لهم نوعا آخر من الفُكاهة التي تندرج ضمن فئة « كوميديا الموقف »، لازال إلى حد الآن يقوم بدور البطولة فيها شخص ليبي اسمه سليمان توغة، يظهر يوميا في استوديو التلفزيون القطري بالدوحة ليحلل الوقائع والأحداث، مُشيدا بالثورة والثوار، علما أن هذا الشخص كان قبل أيام قليلة من اندلاع الثورة رئيسا للمجلس الإداري لمؤسسة « ليبيا الغد » الإعلامية، التي كانت الذراع الإعلامي الذي أراد من خلاله سيف الإسلام أن يفتح لنفسه الطريق لحكم ليبيا بعد أبيه. هذا الصحافي الشاب، الذي هاجر من ليبيا إلى لندن في منتصف التسعينيات، وبدأ يكتب مقالات صحفية منتقدة النظام الليبي، عاد من جديد إلى صفوف المهللين للقذافي وابنه سيف الإسلام بعد أن كلفه هذا الأخير بالإشراف على مشروع مؤسسة « ليبيا الغد »، لينتقل في نوفمبر الماضي إلى صفوف المعارضة من جديد بعدما شعر بأن نظام القذافي في خطر، وليُكثف ظهوره التلفزيوني في قناة العربية، ثم في قناة الجزيرة، بعد اندلاع الثورة الليبية. ولعل الموقف الأشد إثارة للضحك في كل اللحظات التي ظهر فيها هذا الصحافي في قناة الجزيرة، هو ذاك الذي وجد فيه نفسه في مواجهة رجل ليبي يطلب منه مباشرة عبر الهاتف أن يتوقف عن الحديث عن الثورة من استوديو مُكيف، في الوقت الذي يحمل فيه الثوار الحقيقيون السلاح في ساحة القتال.
هذه هي النماذج التلفزيونية الحقيقية التي ينبغي أن تُفرز منها الأعمال الكوميدية الأكثر تألقا هذه السنة، وليست تلك السفسطات الرمضانية التي يتابعها المغاربة في رمضان.
أحمد الدافري
الأحداث المغربية ـ عدد السبت / الأحد 27 / 28 غشت 2011